ابن كثير
16
السيرة النبوية
حممة ( 1 ) خرجت من ظلمة ، فوقعت بأرض تهمة ( 2 ) ، فأكلت منها كل ذات جمحمة . فقال له الملك : ما أخطأت منها شيئا يا سطيح ، فما عندك في تأويلها ؟ قال : أحلف بما بين الحرتين من حنش ، لتهبطن أرضكم الحبش ، فليملكن ما بين أبين إلى جرش ( 3 ) . فقال له الملك : يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟ فقال : لا وأبيك بل بعده بحين ، أكثر من ستين أو سبعين ، يمضين من السنين . قال : أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين . قال ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال يليه ( 4 ) إرم ذي يزن ( 5 ) ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك منهم أحدا باليمن . قال : أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع . قال ومن يقطعه ؟ قال : نبي زكى ، يأتيه الوحي من قبل العلى . قال وممن هذا النبي ؟ قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر . قال وهل للدهر من آخر ؟ قال : نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون . قال أحق ما تخبرني ؟ قال : نعم ، والشفق والغسق ، والفلق إذا اتسق ، إن ما أنبأتك به لحق . قال : ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح ، لينظر أيتفقان أم يختلفان . قال : نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة ، فوقعت بين روضة وأكمة ، فأكلت منها كل ذات نسمة . فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد ، إلا أن سطيحا قال " وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة " وقال شق : " وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة " فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا ، فما عندك
--> ( 1 ) الحممة : قطعة النار . ( 2 ) تهمة : منخفضة ومنه سميت تهامة . ( 3 ) أبين وجرش : مخلافان من مخاليف اليمن . ( 4 ) المطبوعة : يليهم وهو خطأ . ( 5 ) إنما قال : ارم ذي يزن ، واسمه سيف ، لأنه شبهه بعاد إرم في عظم الخلق والقوة .